0

مصير أوروبا بين أيدي القضاة

ماينوث، أيرلندا ـ مع اقتراب الدراما المالية الإغريقية من نهايتها المؤسفة، تلوح أزمة أخرى في الأفق وتهدد المشروع الأوروبي ـ هذه المرة في ألمانيا، وبداية بقضية منظورة أمام المحكمة الدستورية في ألمانيا الآن.

وبعيداً عن الجو النخبوي لقمم الاتحاد الأوروبي (الذي كان حتى الآن مسؤولاً عن صياغة وتشكيل استجابة الاتحاد للأحداث في اليونان)، فإن الجهات المؤسسية الفاعلة الأخرى كانت ـ ولا تزال ـ تعمل على صياغة نظام الاتحاد الأوروبي. وعلى وجه خاص، ساعدت المحاكم في دفع التكامل الأوروبي إلى الأمام بقدر ما فعل الساسة.

ولقد تعرضت محكمة العدل الأوروبية القوية بشكل خاص لانتقادات متكررة لاستخدام القانون الأوروبي لإخفاء أجندة تكاملية. ومن دون مبدأ محكمة العدل الأوروبية فيما يتصل "بالتأثير المباشر" و"السلطة المتفوقة"، وفي غياب المحاكم الوطنية الراغبة في فرض مثل هذه العقائد والمبادئ في نطاق ولاياتها القضائية، فما كان الاتحاد الأوروبي لينجح على الأرجح في تحقيق المستوى الذي حققه من التكامل.

وربما تنظر المحاكم الوطنية في التأثيرات التي قد يخلفها التكامل الأوروبي على مؤسساتها الدستورية والديمقراطية، فتؤكد أو ترفض التكامل الذي حدث بالفعل، أو وتضع حدوداً للترتيبات فوق الوطنية التي قد تصطدم بالسيادة الوطنية.

وهذا أمر بالغ الأهمية، ففي مايو/أيار من عام 2010 أقامت مجموعة من خبراء الاقتصاد الألمان البارزين تحت قيادة يواكيم ستارباتي دعوى قضائية أمام المحكمة الدستورية الألمانية، حيث زعموا أن مساعدة الاتحاد الأوروبي لليونان وصندوق الإنقاذ المالي الجديد يخالفان المادة 125، أو فقرة "لا إنقاذ" من معاهدة الاتحاد الأوروبي. وسوف تبدأ المحكمة النظر في هذه القضية في الخامس من يوليو/تموز.

كانت المحكمة الدستورية الألمانية من بين أبرز المحاكم في الإعلان عما تعتبره الحدود المناسبة لتكامل الاتحاد الأوروبي، بما يتفق مع القانون الأساسي للبلاد (الدستور). وفي عدد من الأحكام التاريخية، أعربت المحكمة عن تشككها في أي تحرك نحو تأسيس اتحاد أوروبي فيدرالي.

في عام 1993، أعرب القضاة عند الحكم على التصديق على معاهدة ماستريخت عن تحفظاتهم الواضحة على اتجاه عملية التكامل الأوروبية. وكانت حجتهم الرئيسية أن أوجه القصور في الممارسات الديمقراطية على مستوى الاتحاد الأوروبي تفرض على مجلس النواب الألماني (البوندستاج) الاحتفاظ بعدد كبير من الاختصاصات السياسية.

ولنفس السبب، فإن اختصاص البت في تخصيص المزيد من الصلاحيات كان من الواجب أن يظل حكراً على الدولة الألمانية وألا ينقل إلى الاتحاد الأوروبي. والأمر البالغ الأهمية هنا أن المحكمة أكدت أيضاً على سلطتها في إبطال القوانين الأوروبية إذا وجد القضاة أنها تفتقر إلى الأساس في المعاهدات الأوروبية.

وفي حكم تاريخي آخر صادر في يونيو/حزيران من عام 2009، جعلت المحكمة تصديق ألمانيا على معاهدة لشبونة مشروطاً باستنان تشريع جديد يمنح مجلس النواب الألماني صلاحيات معززة للتدقيق في الشؤون الأوروبية. واعتمدت المحكمة على نفس المبادئ والمفاهيم الدستورية المتعلقة بالسيادة والموضحة في حكمها بشأن ماستريخت.

والآن سوف يكون لزاماً على المحكمة في كارلسروه أن تحدد ما إذا كانت آلية الاستقرار الأوروبي التي أقرها الاتحاد الأوروبي مؤخراً تتفق مع القانون الأساسي. والواقع أن الخطر المتمثل في احتمال إصدار القضاة حكماً بأن آلية الاستقرار الأوروبي غير قانونية لعب دوراً كبيراً في الجهود التي بذلتها في الأشهر الأخيرة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لإلزام الاتحاد الأوروبي بإطار منقح وأكثر تدخلاً في إدارة الاقتصاد، على أن ينفذ ذلك الإطار من خلال إدخال تعديل على المعاهدات القائمة.

والواقع أن المناقشة بشأن السيادة في ألمانيا وغيرها من بلدان الاتحاد الأوروبي لم تشتعل من جديد بسبب أزمة الديون فسحب، بل وأيضاً بسبب سلسلة من الأحكام والقرارات المثيرة للجدال من قبل محكمة العدل الأوروبية، وكان أبرزها تفسير المحكمة للحريات الخاصة بالتأسيس وتقديم الخدمات، كما ورد بالنص في قرارات فايكنج، ولافال، وروفيرت.

ولقد أعرب عدد من أكثر ممثلي الشعب استحقاقاً للثقة في ألمانيا علناً عن استيائهم من التأثير التراكمي لهذه القرارات. ففي سبتمبر/أيلول من عام 2008 على سبيل المثال، نشر الرئيس السابق رومان هرتسوج هجوماً عنيفاً تحت عنوان "أوقفوا محكمة العدل الأوروبية "، حيث اتهم قضاة لوكسمبورج بالاستيلاء على قدر متزايد من الصلاحيات على حساب الدول الأعضاء، وحث المحكمة الدستورية على إبطال الأحكام العديدة المثيرة للجدال التي أصدرتها محكمة العدل الأوروبية.

ولقد تردد صدى هجوم هرتسوج في مختلف أنحاء أوروبا، حيث نشأ قدر كبير من الانزعاج لبعض الوقت إزاء "الناشط القضائي" وما يراه البعض بوصفه اتجاهاً لا رجعة فيه نحو تمكين محكمة العدل الأوروبية وغيرها من مؤسسات الاتحاد الأوروبي. وفي العديد من البلدان الأعضاء، أنتجت قرارات محكمة العدل الأوروبية ردود أفعال عكسية عنيفة، وخاصة في جناح اليسار، حيث استهدفت النقابات المهنية والحركات الاجتماعية الحماسة المزعومة من جان بالمحكمة في مناصرة الشركات وأصحاب العمل على حساب مصالح العمال. ولقد انتشرت هذه الحجج بنجاح أثناء استفتاء عام 2005 على المعاهدة الدستورية في فرنسا وهولندا، وفي أيرلندا أثناء الاستفتاء على معاهدة لشبونة.

الواقع أن الخطر الذي يتهدد النظام القانوني للاتحاد الأوروبي لا يكمن في المحكمة الدستورية الألمانية فحسب. ففي أيرلندا، قد لا يصبح أمام الحكومة الائتلافية المحاصرة التي أنهكها التقشف أي خيار غير عقد استفتاء بشأنه آلية الاستقرار الأوروبي. ويكاد يكون من المؤكد أن الجماعات المتشككة في أوروبا سوف تطالب المحكمة العليا في أيرلندا بالبت في دستورية آلية الاستقرار الأوروبي.

ولقد أكدت الحكومة الأيرلندية بشكل قاطع أن أي تعديلات لمعاهدة لشبونة فيما يتصل بإصلاحات منطقة اليورو سوف تحتاج إلى استفتاء. ويبدو أن تعليلها لذلك يتلخص في أن التغييرات المقترحة تقصر كثيراً عن المستوى التي تفرضه السابقات القضائية للمحكمة العليا، وأن آلية الاستقرار الأوروبي لا تبدل النطاق الأساسي لأهداف الاتحاد الأوروبي.

وإذا قررت المحكمة العليا الأيرلندية أن آلية الاستقرار الأوروبي تتطلب موافقة شعبية، فإن الاتحاد الأوروبي سوف يجد نفسه في مواجهة احتمال عقد استفتاء أيرلندي آخر على أوروبا. وبالتالي فقد تلعب أيرلندا دوراً لا يقل أهمية عن دور ألمانيا في تحديد مستقبل أي تعديلات للنظام الدستوري في الاتحاد الأوروبي، حيث تلعب المحكمة العليا في كل من البلدين دوراً لا يقل أهمية عن دور الساسة في صياغة مستقبل أوروبا.