Friday, August 29, 2014
0

حرب جامدة ضد المخدرات

لاهاي ـ إن الحرب في أفغانستان، والتي تقترب الآن من عامها العاشر، قد تبدو في نظر العديد من الناس وكأنها حرب بلا نهاية في الأفق. ولكن أميركا اللاتينية تخوض معركة أطول، معركة اكتسبت صبغة أكثر دموية مؤخرا: إنها "الحرب" ضد تجارة المخدرات. لقد أصبحت هذه الحرب روتينية ـ وعنيفة ـ إلى الحد الذي يجعل العديد من الناس في أميركا اللاتينية الآن يتعجبون أي الجانبين أصبح أكثر إدماناً على الحرب.

إن الاستراتيجية الجديدة التي تروج لها وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون لوقف نزيف الدم وجرائم القتل المتصاعدة المرتبطة بتجارة المخدرات ـ والتي تجاوز عدد ضحاياها 22 ألف قتيل طبقاً لتقارير تسربت من دوائر الحكومة المكسيكية ـ تتلخص في بناء "مجتمعات أكثر قوة وقدرة على المقاومة". ولابد أن مدينة سيوداد خواريز الحدودية المترامية الأطراف، والتي أصبحت الآن عاصمة القتل في العالم، تحتل مرتبة عالية على القائمة.

فهناك أربعة جسور وعدد لا يحصى من الأنفاق وقنوات الصرف التي تربط سيوداد خواريز بمدينة إلباسو في ولاية تكساس الأميركية. والعصابات التي تتنافس لفرض سيطرتها على "السوق"، وهو الاسم الذي يطلق على أي من مسارات التجارة، يذبح أفرادها بعضهم البعض فضلاً عن أفراد قوات الأمن. ومن الواضح أنه لا يوجد نقص في أعداد الشباب العاطلين الراغبين في الانضمام إلى هذه المذبحة.

والواقع أن معالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية العميقة الجذور التي تعاني منها مدينة مثل سيوداد خواريز أمر أصعب كثيراً من إغراق شوارعها بنحو ثمانية آلاف جندي يحملون بنادق هجومية. وفي هذا السياق، ظل الرئيس المكسيكي فيليبي كالديرون ملتزماً بالنص المدون في المسارح التي شهدت حروب المخدرات سابقاً، سواء في بوليفيا أو كولومبيا أو بيرو، حيث استخدمت الحكومات القوة العسكرية وتسليم المجرمين بهدف استرضاء الولايات المتحدة ومعاقبة هؤلاء الأقل صوتاً ونفوذاً.

بيد أن اللغة التي تستخدمها إدارة أوباما في وصف العنف وفساد الدولة الذي يزحف من الأنديز إلى حدود الولايات المتحدة بدأت في أسر فكر جديد في التعامل مع المخدرات. وكان ثلاثة من الرؤساء السابقين في أميركا اللاتينية، وثاني أغنى رجل في المكسيك، ريكاردو ساليناس، والمحكمة العليا في الأرجنتين، من بين آخرين، ينتقدون الحرب ضد المخدرات باعتبارها فشلاً واضحاً، حيث لم تسفر إلا عن خفض أسعار المخدرات في الشوارع، وتغذية عملية الإنتاج، وتقويض الدول الضعيفة.

والأمر الأكثر إثارة للانتباه هنا هو أن كلاً من بوليفيا والإكوادور يحكمها رئيس عانى بشكل مباشر من الويلات الجانبية للحرب ضد المخدرات. فقد برز رئيس بوليفيا إيفو موراليس كزعيم لمزارعي الكوكا في البلاد أثناء الحملة الوحشية التي شُنَّت للقضاء على زراعاتهم، والتي أطلق عليها "خطة الكرامة". أما والد رئيس الإكوادور رافييل كوريا فقد سُجِن بعد إدانته بتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة حين كان زعيم المستقبل في الخامسة من عمره.

والواقع أن المشاعر المتضاربة التي يحملها هؤلاء الزعماء في سعيهم إلى تحقيق هدف تحرير العالم من المخدرات غير المشروعة يشاركهم فيها زعماء الاتحاد الأوروبي، حيث تراخت القيود المفروضة على استهلاك المخدرات على مدى العقد الماضي. فضلاً عن ذلك فقد اعترف آخر ثلاثة رؤساء للولايات المتحدة باستهلاك مواد غير مشروعة مؤثرة على العقل ـ بدرجات متفاوتة ـ في حين تؤكد البيانات الصادرة عن الأمم المتحدة أن سبعة ملايين أميركي يتعاطون الكوكايين بانتظام.

ولكن الجمود الذي تتسم به البنية الفوقية البيروقراطية في مكافحة المخدرات (والتي تبلغ قيمتها نحو أربعين مليار دولار في كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي)، والذي يدعمه خوف عميق من "التهديد" الذي تفرضه المخدرات والعصابات، يبدو وكأنه يدفع السياسة على نحو متكرر نحو الخيار المعتاد المتمثل في القمع بلا تمييز.

على سبيل المثال، يبدو دعم الولايات المتحدة للحملة التي تشنها المكسيك ضد عصابات المخدرات وكأنه قُد من صخر، حيث أبدى الكونجرس استعداده لتوفير 300 مليون دولار لتغطية تكاليف عام آخر من التصعيد العسكري والأمني. وفي كولومبيا يجري التخطيط لإقامة سبع منشآت عسكرية مشتركة جديدة، ومن المفترض ألا ينقطع الدعم المقدم لمقاولي القطاع الخاص الأميركيين الذين حاصروا سوق تدخين المحاصيل.

ولكن رغم ذلك، ومع اشتداد وضوح النقائص التي تعيب صرح مكافحة المخدرات الذي ظل قائماً طيلة أربعة عقود من الزمان، فقد بات من الصعب على نحو متزايد أن ننظر إلى المخاطر المرتبطة باستخدام المخدرات باعتبارها أعظم من الضرر الناجم عن القمع.

إن الحظر يعمل على رفع أسعار البيع ـ بنسب هائلة قد تبلغ 15000% في حالة الكوكايين المتوجه إلى أوروبا من وحدات المعالجة في الأنديز. ورغم أن الحرب ضد المخدرات تركز على إسقاط العصابات وزعمائها الرئيسيين، فإنها في واقع الأمر تعمل على تعزيز صحة أسواقهم، التي تختبئ داخل تدفقات التجارة المشروعة وتستجيب للحوافز السعرية.

في المقابلة التي أجرتها المجلة المكسيكية "بروسيسو" هذا العام مع الرجل الثاني في عصابة سينالوا العملاقة، إسماعيل زامبادا، أشار بوضوح: "إن مشكلة المخدرات تشتمل على الملايين من البشر. فكيف لنا أن نسيطر عليها؟ قد يكون من السهل سجن الزعماء أو قتلهم أو تسليمهم إلى حكومات أخرى، ولكن بدلاءهم متواجدون بالفعل وجاهزون للعمل".

ولا يجوز لنا أن نعزو ظهور مافيا المخدرات القوية في أميركا اللاتينية إلى الشر المطلق الذي يتسم به بعض الأفراد. فقد نشأ هؤلاء الناس في ظل ظروف تشكلت في مجتمعات تعاني من التفاوت الهائل بين الناس نتيجة لحرب بيروقراطية وغير متساوقة وسيئة التطبيق.

والواقع أن الغضب الشديد بين أفراد جماعة الزيتا في المكسيك يرجع في الأصل إلى التدريب على مكافحة التمرد في تسعينيات القرن العشرين بهدف اختيار مجموعة من جنود القوات الخاصة، الذين فروا من الجندية في وقت لاحق. وكان أشهر الذين نجحت جماعة الزيتا في تجنيدهم في الأعوام الأخيرة قادمين من القوات العسكرية الخاصة في جواتيمالا، والتي اشتهر أفرادها بمهارات تشتمل القدرة على قضم رأس دجاجة. وفي الوقت عينه، في جامايكا وعبر المواقع الأمامية في المناطق الريفية من أميركا الوسطى، تحول أباطرة المخدرات إلى أبطال وأهل خير في نظر الفقراء.

لقد حان الوقت لإعادة النظر بجدية في وضع المخدرات غير المشروعة والقيود التنظيمية المفروضة عليها، مع الإشارة إلى إمكانية إضفاء الشرعية بشكل انتقائي على بعض المنتجات، فضلاً عن إعادة تصنيف السوق باعتبارها مصدراً للانزعاج والقلق فيما يتصل بالصحة العامة بعيداً عن الشق الجنائي. أما الآن فإن صناع القرار السياسي في مختلف أنحاء الأمريكيتين يسيرون ببطء نحو نتيجة واضحة.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured