7

أزمة مكتملة الأركان

ميونيخ ــ لفترة من الوقت، بدا الأمر وكأن البرنامج الائتماني الذي أقره البنك المركزي الأوروبي بقيمة تريليون يورو لضخ السيولة إلى النظام المصرفي الأوروبي نجح في تهدئة الأسواق المالية العالمية. ولكن الآن عادت أسعار الفائدة على سندات الحكومتين الإيطالية والأسبانية إلى الارتفاع من جديد، لتقترب من 6%.

بطبيعة الحال، قد لا تكون هذه نقطة التحول التي تصبح من المستحيل بعدها تحمل أعباء الديون. ذلك أن أسعار الفائدة في جنوب أوروبا كانت أعلى من 10% في الأعوام العشرة التي سبقت تقديم عملة اليورو. وحتى ألمانيا في ذلك الوقت كانت مضطرة لدفع سعر فائدة أعلى من 6% لحاملي سنداتها. ولكن من الواضح رغم ذلك أن الأسواق تشير بوضوح إلى شكوك متزايدة حول قدرة أسبانيا وإيطاليا على تحمل أعباء الديون.

المشكلة الرئيسية هنا هي أسبانيا، حيث أصبحت ديون القطاعين العام والخاص الخارجية أكبر من ديون اليونان والبرتغال وأيرلندا وإيطاليا مجتمعة، وكما هي الحال في اليونان، اقتربت الديون من 100% من الناتج المحلي الإجمالي (93% على وجه الدقة). فضلاً عن ذلك فإن ربع القوة العاملة ونصف الشباب في أسبانيا عاطلون عن العمل، وهو ما يعكس خسارة البلاد لقدرتها التنافسية في أعقاب فقاعة العقارات التي ساعد في تضخيمها الائتمان الرخيص باليورو أثناء فترة ما قبل الأزمة. ويظل عجز الحساب الجاري عند مستوى 3,5% من الناتج المحلي الإجمالي، على الرغم من الانحدار الناتج عن الركود في الواردات، في حين من المنتظر أن يؤدي الانكماش الاقتصادي إلى عدم قدرة أسبانيا على تلبية هدف العجز في الموازنة مرة أخرى.

فضلاً عن ذلك فإن ديون أسبانيا ارتفعت في ظل نظام تسويات تارجت التابع للبنك المركزي الأوروبي بمقدار 55 مليار يورو (72 مليار دولار) بين شهري فبراير/شباط ومارس/آذار، لأن تدفقات رأس المال إلى خارج البلاد بهذا القدر كان من الواجب التعويض عنها. ومنذ يوليو/تموز 2011، ارتفعت ديون أسبانيا بموجب هذا النظام بمقدار 199 مليار يورو. والآن أصبح هروب رؤوس الأموال على أشده، حتى أنه تجاوز التدفقات إلى الداخل أثناء الفترة 2008-2010. والمجموع التراكمي من بداية أول أعوام الأزمة (2008) يعني أن أسبانيا مولت كامل عجز الحساب الجاري لديها عن طريق مطبعة النقود.

والواقع أن الصورة أفضل قليلاً في إيطاليا، حيث تحول ميزان الحساب الجاري من الفائض بنسبة 2% تقريباً من الناتج المحلي الإجمالي إلى عجز بنسبة 3% من الناتج المحلي الإجمالي على مدى الأعوام العشرة الأخيرة. وأثناء الفترة من فبراير/شباط إلى مارس/آذار ارتفعت ديون البلاد بمقدار 76 مليار يورو، مع ارتفاع إجمالي الدين منذ يوليو/تموز 2011 إلى 276 مليار يورو. وإيطاليا أيضاً تستنزف رأسماليا؛ بل إن هروب المستثمرين تسارع بعد ضخ السيولة إليها من جانب البنك المركزي الأوروبي.

ومن الواضح الآن أن البنك المركزي الأوروبي ذاته تسبب في جزء كبير من هروب رأس المال من دول مثل أسبانيا وإيطاليا، لأن الائتمان الرخيص الذي قدمه أدى إلى طرد رأس المال الخاص. وكان الغرض من التدابير التي اتخذها البنك المركزي الأوروبي إعادة بناء الثقة وجلب التعافي لسوق ما بين البنوك. وفي هذا أيضاً لم يكن البنك ناجحاً حقاً على الرغم من الكم الهائل من الأموال التي وضعها على الطاولة.

والآن بدأت فرنسا تتأرجح. فمع هروب رأس المال من البلاد بين يوليو/تموز 2011 ويناير/كانون الثاني 2012، ارتفعت ديون فرنسا بموجب نظام تارجت بمقدار 95 مليار يورو. كما فقدت فرنسا أيضاً قدرتها التنافسية بسبب الائتمان الرخيص الذي جلبه اليورو في سنواته الأولى. ووفقاً لدراسة حديثة أجرتها مؤسسة جولدمان ساكس، فإن مستويات الأسعار في البلاد لابد وأن تنخفض بنحو 20% في المتوسط في مقابل اليورو ــ وهذا يعني خفض القيمة الحقيقية ــ إذا كان لاقتصادها أن يستعيد قدرته التنافسية داخل منطقة اليورو.

أما إيطاليا فيتعين عليها أن تعمل على خفض القيمة بنسبة 10% إلى 15%، وأسبانيا بنحو 20%. وفي حين تواجه اليونان والبرتغال ضرورة الانكماش بنسبة تبلغ في مجموعها 30% و35% على التوالي، فإن الأرقام بالنسبة لأسبانيا وإيطاليا مرتفعة بالقدر الكافي لتبرير المخاوف بشأن تنمية منطقة اليورو في المستقبل. ولن يتسنى علاج هذه الاختلالات في التوازن إلا ببذل قدر عظيم من الجهد، وبتقبل عقد كامل من الركود. وبالنسبة لليونان والبرتغال، فإن البقاء في منطقة اليورو سوف يكون أمراً بالغ الصعوبة.

هناك العديد من الخبراء الذين يرون أن حل المشكلة يتلخص في توجيه المزيد والمزيد من الائتمان الرخيص عبر القنوات العامة ــ صناديق الإنقاذ، أو سندات اليورو، أو البنك المركزي الأوروبي ــ من قلب منطقة اليورو الذي لا يتمتع بصحته إلى الدول المتعثرة في الجنوب. ولكن هذا من شأنه أن يجبر المدخرين ودافعي الضرائب في دول القلب ظلماً إلى تزويد دول الجنوب برأس المال بشروط ما كانوا ليوافقوا عليها طواعية أبدا.

وبالفعل تم تحويل مدخرات ألمانية وهولندية وفنلندية بمقدار 15 ألف يورو، و17 ألف يورو، و21 ألف يورو على التوالي عن كل شخص عامل من استثمارات قابلة للتسويق إلى مجرد مطالبات معادلة مستحقة على البنك المركزي الأوروبي. ولا أحد يدري كم قد تساوي هذه المطالبات في حالة تفكك منطقة اليورو.

ولكن من الأهمية بمكان أن ندرك أن توفير الائتمان الرخيص العام الدائم من شأنه أن يؤدي في نهاية المطاف إلى العجز المطول، إن لم يكن انهيار أوروبا اقتصاديا، لأن منطقة اليورو سوف تتحول إلى نظام إدارة مركزي مع سيطرة الدولة على الاستثمار. فمثل هذه الأنظمة من غير الممكن أن تنجح، لأنها تقصي سوق رأس المال باعتبارها الآلية الرئيسية الموجهة لدفة النظام الاقتصادي. ولا يملك المرء إلا أن يتساءل كيف بلغ التهور بساسة أوروبا الحد الذي جعلهم ينزلقون هذا المنزلق الخطر.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali