Sunday, November 23, 2014
7

أزمة مكتملة الأركان

ميونيخ ــ لفترة من الوقت، بدا الأمر وكأن البرنامج الائتماني الذي أقره البنك المركزي الأوروبي بقيمة تريليون يورو لضخ السيولة إلى النظام المصرفي الأوروبي نجح في تهدئة الأسواق المالية العالمية. ولكن الآن عادت أسعار الفائدة على سندات الحكومتين الإيطالية والأسبانية إلى الارتفاع من جديد، لتقترب من 6%.

بطبيعة الحال، قد لا تكون هذه نقطة التحول التي تصبح من المستحيل بعدها تحمل أعباء الديون. ذلك أن أسعار الفائدة في جنوب أوروبا كانت أعلى من 10% في الأعوام العشرة التي سبقت تقديم عملة اليورو. وحتى ألمانيا في ذلك الوقت كانت مضطرة لدفع سعر فائدة أعلى من 6% لحاملي سنداتها. ولكن من الواضح رغم ذلك أن الأسواق تشير بوضوح إلى شكوك متزايدة حول قدرة أسبانيا وإيطاليا على تحمل أعباء الديون.

المشكلة الرئيسية هنا هي أسبانيا، حيث أصبحت ديون القطاعين العام والخاص الخارجية أكبر من ديون اليونان والبرتغال وأيرلندا وإيطاليا مجتمعة، وكما هي الحال في اليونان، اقتربت الديون من 100% من الناتج المحلي الإجمالي (93% على وجه الدقة). فضلاً عن ذلك فإن ربع القوة العاملة ونصف الشباب في أسبانيا عاطلون عن العمل، وهو ما يعكس خسارة البلاد لقدرتها التنافسية في أعقاب فقاعة العقارات التي ساعد في تضخيمها الائتمان الرخيص باليورو أثناء فترة ما قبل الأزمة. ويظل عجز الحساب الجاري عند مستوى 3,5% من الناتج المحلي الإجمالي، على الرغم من الانحدار الناتج عن الركود في الواردات، في حين من المنتظر أن يؤدي الانكماش الاقتصادي إلى عدم قدرة أسبانيا على تلبية هدف العجز في الموازنة مرة أخرى.

فضلاً عن ذلك فإن ديون أسبانيا ارتفعت في ظل نظام تسويات تارجت التابع للبنك المركزي الأوروبي بمقدار 55 مليار يورو (72 مليار دولار) بين شهري فبراير/شباط ومارس/آذار، لأن تدفقات رأس المال إلى خارج البلاد بهذا القدر كان من الواجب التعويض عنها. ومنذ يوليو/تموز 2011، ارتفعت ديون أسبانيا بموجب هذا النظام بمقدار 199 مليار يورو. والآن أصبح هروب رؤوس الأموال على أشده، حتى أنه تجاوز التدفقات إلى الداخل أثناء الفترة 2008-2010. والمجموع التراكمي من بداية أول أعوام الأزمة (2008) يعني أن أسبانيا مولت كامل عجز الحساب الجاري لديها عن طريق مطبعة النقود.

والواقع أن الصورة أفضل قليلاً في إيطاليا، حيث تحول ميزان الحساب الجاري من الفائض بنسبة 2% تقريباً من الناتج المحلي الإجمالي إلى عجز بنسبة 3% من الناتج المحلي الإجمالي على مدى الأعوام العشرة الأخيرة. وأثناء الفترة من فبراير/شباط إلى مارس/آذار ارتفعت ديون البلاد بمقدار 76 مليار يورو، مع ارتفاع إجمالي الدين منذ يوليو/تموز 2011 إلى 276 مليار يورو. وإيطاليا أيضاً تستنزف رأسماليا؛ بل إن هروب المستثمرين تسارع بعد ضخ السيولة إليها من جانب البنك المركزي الأوروبي.

ومن الواضح الآن أن البنك المركزي الأوروبي ذاته تسبب في جزء كبير من هروب رأس المال من دول مثل أسبانيا وإيطاليا، لأن الائتمان الرخيص الذي قدمه أدى إلى طرد رأس المال الخاص. وكان الغرض من التدابير التي اتخذها البنك المركزي الأوروبي إعادة بناء الثقة وجلب التعافي لسوق ما بين البنوك. وفي هذا أيضاً لم يكن البنك ناجحاً حقاً على الرغم من الكم الهائل من الأموال التي وضعها على الطاولة.

والآن بدأت فرنسا تتأرجح. فمع هروب رأس المال من البلاد بين يوليو/تموز 2011 ويناير/كانون الثاني 2012، ارتفعت ديون فرنسا بموجب نظام تارجت بمقدار 95 مليار يورو. كما فقدت فرنسا أيضاً قدرتها التنافسية بسبب الائتمان الرخيص الذي جلبه اليورو في سنواته الأولى. ووفقاً لدراسة حديثة أجرتها مؤسسة جولدمان ساكس، فإن مستويات الأسعار في البلاد لابد وأن تنخفض بنحو 20% في المتوسط في مقابل اليورو ــ وهذا يعني خفض القيمة الحقيقية ــ إذا كان لاقتصادها أن يستعيد قدرته التنافسية داخل منطقة اليورو.

أما إيطاليا فيتعين عليها أن تعمل على خفض القيمة بنسبة 10% إلى 15%، وأسبانيا بنحو 20%. وفي حين تواجه اليونان والبرتغال ضرورة الانكماش بنسبة تبلغ في مجموعها 30% و35% على التوالي، فإن الأرقام بالنسبة لأسبانيا وإيطاليا مرتفعة بالقدر الكافي لتبرير المخاوف بشأن تنمية منطقة اليورو في المستقبل. ولن يتسنى علاج هذه الاختلالات في التوازن إلا ببذل قدر عظيم من الجهد، وبتقبل عقد كامل من الركود. وبالنسبة لليونان والبرتغال، فإن البقاء في منطقة اليورو سوف يكون أمراً بالغ الصعوبة.

هناك العديد من الخبراء الذين يرون أن حل المشكلة يتلخص في توجيه المزيد والمزيد من الائتمان الرخيص عبر القنوات العامة ــ صناديق الإنقاذ، أو سندات اليورو، أو البنك المركزي الأوروبي ــ من قلب منطقة اليورو الذي لا يتمتع بصحته إلى الدول المتعثرة في الجنوب. ولكن هذا من شأنه أن يجبر المدخرين ودافعي الضرائب في دول القلب ظلماً إلى تزويد دول الجنوب برأس المال بشروط ما كانوا ليوافقوا عليها طواعية أبدا.

وبالفعل تم تحويل مدخرات ألمانية وهولندية وفنلندية بمقدار 15 ألف يورو، و17 ألف يورو، و21 ألف يورو على التوالي عن كل شخص عامل من استثمارات قابلة للتسويق إلى مجرد مطالبات معادلة مستحقة على البنك المركزي الأوروبي. ولا أحد يدري كم قد تساوي هذه المطالبات في حالة تفكك منطقة اليورو.

ولكن من الأهمية بمكان أن ندرك أن توفير الائتمان الرخيص العام الدائم من شأنه أن يؤدي في نهاية المطاف إلى العجز المطول، إن لم يكن انهيار أوروبا اقتصاديا، لأن منطقة اليورو سوف تتحول إلى نظام إدارة مركزي مع سيطرة الدولة على الاستثمار. فمثل هذه الأنظمة من غير الممكن أن تنجح، لأنها تقصي سوق رأس المال باعتبارها الآلية الرئيسية الموجهة لدفة النظام الاقتصادي. ولا يملك المرء إلا أن يتساءل كيف بلغ التهور بساسة أوروبا الحد الذي جعلهم ينزلقون هذا المنزلق الخطر.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

  • Contact us to secure rights

     

  • Hide Comments Hide Comments Read Comments (7)

    Please login or register to post a comment

    1. CommentedRoman Bleifer

      We assure the hope that the current crisis is financial. Here we give the banks a trillion 1-2-3 and will overcome the crisis. Gave trillions, and the crisis is not over. And no improvement in sight. The more central and international banks have given loans to banks, the bigger speculative trading. A necessary investment in the real economy as there was no and no. We are looking for an analogy in the recent past crises, the Great Depression. Try recipes previously used, but they do not help. And all because this is not a financial crisis and the global systemic crisis ( http://crisismir.com/analiticheskie-materialy/ekonomika/13-mirovoj-ekonomicheskij-krizis-prichiny-i-posledstviya-quo-vadis.html ). This is a crisis of transition to a new system of production. If you find the correct analogy, then the analog would be the beginning of the formation of the capitalist machine production. New realities require new solutions. Old recipes do not work and will not work. They only aggravate the situation.

    2. CommentedWilliam Wallace

      There are some rather quick-and-dirty comparisons here, such as avoiding real rates of interest. No treatment is given to Spain's pre-crisis debt levels and the impact of French and German banks pumping investment into the Spanish housing bubble. The author then summarizes with a blanket condemnation of politicians.

      The fundamental weakness is of a single currency absent fiscal and labor unification. In the US, states hit harder by recession get automatic transfer payments (unemployment), with net flow from healthy areas to those that are doing poorly. In Europe, we merely get this sort of booing from the peanut gallery. Those who most benefited from the euro (Germany) now scoff at those who effectively made pre-crisis wealth transfers to them.

      No wonder Germany is entrenched in empty moralizing and is truly clueless about what is coming, if this is the caliber of discussion there. It scares me to see so many pundits today pimping analyses for a price.

      The "crisis in full flight" will lead to a "full fight" if we don't break this nasty habit of willful misdirection and, say, stick to the hard data.

    3. CommentedGreg A

      Once again, Mr Sinn gives us his narrow minded and short sighted views about the Euro crisis.

      He basically says that everyone needs to deflate massively which is completely unrealistic and very noxious economically. How about trying to have a higher inflation in Germany so that it is easier for other countries to regain competitiveness?

      He says that interest rates were much higher before the creation of the euro but that mainly reflected short term rates anticipations, not the risk premiums we are seeing now.

    4. CommentedFriedrich Böllhoff

      I wonder how long the citizens in the Euro area are willing to accept this mess with their currency. The Euro is convenient for holidaymakers. But all of us have a heavy price to pay. Southern Europeans are prevented from regaining competitiveness, getting jobs and generate income.
      Northerners work hard and hand over parts of their income to the rescue. Nobody should believe there, that those who save for their retirement could get back their money in full from over-indebted borrowers. If the liable party cannot pay, it will not pay.

    5. CommentedJulian Silk

      I think this is a fine article on the problems of the euro. But I just want to ask a question, which seems obvious to me. Members in the euro were admitted under the premise that they could sustain the policies prescribed. For Spain, this seems to be less and less likely. Why can't Spain be demoted from euro membership for a given period of time, say 5 years? During this time, Spain would agree to pay a tariff on international transactions with the euro countries (a Tobin tax), but would be allowed to re-establish its own currency. If you wanted to go further, you could have a Tobin tax rebate for euro countries that transacted with Spain, providing it met certain conditions, which might be decided by the World Bank or IMF as a neutral referee. These would be reparations of a sort. If maintaining the euro is as much in Spain's interest as it is of other countries, Spain will be willing to do this and take its own independent steps to recover fiscal balance.

    6. CommentedJohn Doe

      The information in this essay was extremely useful.

      However, Hans-Werner Sinn is equally disingenuous.

      First, he omits to explain why all this happened. Currency unions without political integration, as often explained (and best explained by Martin Jacomb in the FT) are doomed to failure. He ought to have affirmed that this entire mess was started by the slippery slope of rescue packages, it was started by the slippery slope of the Euro.

      Second, he implies that the Euro should break up, given the price adjustments needed in France, Spain, Italy, and Greece (and he doesn't even mention Eastern Europe). On this point what he doesn't say is disingenuous.

      Where does he stand on the question?

      He says that as to France, "These imbalances can be redressed only with great effort, if at all, and only if one accepts a decade of stagnation."

      Who would accept such. China, in 10 years, will be in the 22nd Century by comparison

    7. CommentedZsolt Hermann

      We are trying to cheat the system.
      It is like filling the petrol tank of a car where the engine has stopped, it does not work and the petrol tank is also leaking, but when we fill the tank we close our eyes and hope that a miracle would happen.
      This is not a Greek, Spanish or Italian problem, it is not even a European problem, simply the dominoes started falling starting with the "weakest" ones, but we can see even the previously galloping developing market countries have slowed down, and are expected to stop in their progress.
      This is why neither austerity nor further injections can work, and even the German solution, trying to stabilize the structure is futile, because even a stabilized structure is limp without the engine.
      The expansive, constant growth economic model is not sustainable, we live in a closed, finite system, which has now become totally interconnected and interdependent. Moreover our previous growth has been due to excessive, and mostly unnecessary production, producing and consuming goods that are needles and harmful. This machinery was kept going by a clever, sophisticated marketing machinery, but we played poker, always raising the stakes and we lost, as it turns out we do not have anything in our hands.
      We have to rethink the whole system, our basic attitude, the network we exist in, what laws operate in such analog, integral networks, and how a human being can contribute to the overall harmony and homeostasis of our network.
      All the scientific information is ready, we are only missing the willingness to put the puzzle together.

    Featured