Thursday, August 21, 2014
12

يورو بلا مركز، كيان غير قادر على البقاء

كمبريدج ــ مع اقتراب مستويات البطالة بين الشباب من 50% في بعض بلدان منطقة اليورو مثل أسبانيا واليونان، فهل نضحي بجيل كامل من أجل عملة موحدة تضم مجموعة شديدة التنوع من البلدان؟ إذا كان الأمر كذلك، فهل يخدم توسيع عضوية اليورو حقاً هدف تعظيم التكامل الاقتصادي الذي تتبناه أوروبا من دون إقامة اتحاد سياسي كامل بالضرورة؟

والنبأ السار هنا هو أن البحوث الاقتصادية تفيدنا كثيراً في الإجابة على هذا السؤال: هل يتعين على أوروبا أن تستخدم عملة موحدة بالضرورة؟ والنبأ السيئ هو أنه بات من الواضح على نحو متزايد، على الأقل بالنسبة للدول الكبرى، أن مناطق العملة سوف تظل غير مستقرة ما لم تتبع الحدود الوطنية. فكحد أدنى، تحتاج اتحادات العملة إلى اتحاد كونفدرالي يفرض قدراً أعظم من السلطة المركزية على الأنظمة الضريبية وغيرها من السياسات، وهذا لا يتفق مع تصور الزعماء الأوروبيين لمنطقة اليورو.

ولكن ماذا عن تكهنات روبرت مونديل الحائز على جائزة نوبل، والذي قال في عام 1961 إن الحدود الوطنية وحدود العملة لا ينبغي لها أن تتداخل بشكل كبير؟ في بحثه الاستفزازي لمراجعة الاقتصاد الأميركي تحت عنوان "نظرية مناطق العملة المثلى"، يزعم مونديل أنه ما دام العاملون قادرين على الانتقال داخل منطقة العملة إلى حيث تتوفر الوظائف، فإن المنطقة قد يكون بوسعها أن تتخلى عن آلية التوازن القائمة على تعديل أسعار الصرف. ولقد أشاد بفائز آخر بجائزة نوبل (في وقت لاحق)، وهو جيمس ميد، لإدراكه لأهمية قدرة العمال على الحركة في عمل سابق له، ولكنه انتقد ميد لأنه فسر الفكرة بشكل بالغ الصرامة، وخاصة في سياق التكامل الناشئ في أوروبا.

ولم يؤكد مونديل على الأزمة المالية، ولكن من المفترض أن تشكل قدرة العمال على الحركة اليوم أهمية أكبر من أي وقت مضى. فمن غير المستغرب أن يترك العمال الدول المتعثرة في منطقة اليورو، ولكن ليس بالضرورة إلى دول الشمال الأكثر قوة. فالعمال الأيرلنديون يرحلون بأعداد كبيرة إلى كندا وأستراليا والولايات المتحدة. والعمال الأسبان يتدفقون على رومانيا، التي كانت حتى وقت قريب مصدراً رئيسياً للعمالة الزراعية في أسبانيا.

ومع ذلك، فلو كانت تحركات العمالة داخل منطقة اليورو أقرب إلى مثال مونديل النموذجي، فما كنا لنرى اليوم معدل البطالة وقد ارتفع إلى 25% في أسبانيا، في حين يظل معدل البطالة في ألمانيا دون مستوى 7%.

في وقت لاحق أدرك الكتاب أن هناك معايير أساسية أخرى لاتحاد العملة الناجح، وهي معايير يصعب تحقيقها في غياب التكامل السياسي العميق. ولقد زعم بيتر كينين في أواخر ستينيات القرن العشرين أن اتحاد العملة، في غياب تحركات أسعار الصرف كوسيلة لتخفيف الصدمات، يحتاج إلى التحويلات المالية كوسيلة لتقاسم المخاطر.

ويشكل نظام ضريبة الدخل الوطني بالنسبة لأي دولة طبيعية عامل استقرار تلقائي مؤثر عبر المناطق. ففي الولايات المتحدة، ترتفع الدخول في تكساس ومونتانا عندما ترتفع أسعار النفط، وهذا يعني أن هاتين الولايتين تساهمان بعائدات ضريبية أعلى في الميزانية الفيدرالية، وتساعدان بالتالي بقية البلاد. لا شك أن أوروبا لا تتبنى سلطة ضريبية مركزية مؤثرة، ولهذا السبب تفتقر أوروبا إلى هذا العامل الرئيسي من عوامل الاستقرار التلقائي.

حاول بعض الأكاديميين الأوروبيين التأكيد على عدم الحاجة إلى تحويلات مالية على غرار الولايات المتحدة، لأن أي درجة مرغوبة من تقاسم المخاطر يمكن إنجازها، من الناحية النظرية، من خلال الأسواق المالية. وكان هذا الزعم مضلل إلى حد كبير. فالأسواق المالية قد تكون هشة، وهي لا توفر الكثير من القدرة على تقاسم المخاطر المرتبطة بدخول العمالة، والتي تشكل القسم الأكبر من الدخول في أي اقتصاد متقدم.

كان كينين مهتماً في المقام الأول بالتحويلات قصيرة الأمد بهدف تخفيف حدة التقلبات الدورية. ولكن في إطار اتحاد عملة يتسم أعضاؤه بالتنوع الكبير في الدخول ومستويات التنمية، فإن الأمد القريب من الممكن أن يمتد لفترة طويلة للغاية. ويشعر العديد من الألمان اليوم عن حق أن أي نظام للتحويلات المالية سوف يتحول إلى أنبوب تغذية دائم، وهذا أشبه بدعم شمال إيطاليا لجنوبها طيلة القرن الماضي. وبعد عشرين عاماً من الوحدة لا يزال الألمان الغربيون لا يرون نهاية في المستقبل المنظور للتكا��يف المترتبة على توحيد شطري ألمانيا.

وفي وقت لاحق، أشار موريس أوبستفيلد إلى أن اتحاد العملة يحتاج فضلاً عن التحويلات المالية قواعد محددة وواضحة لمقرض الملاذ الأخير. وإلا فإن هذا يعني انتشار حالات فرار الودائع من البنوك وأزمات الديون. وكان أوبتسفيلد يتصور آلية إنقاذ للبنوك، ولكن من الواضح تماماً الآن الحاجة أيضاً إلى مقرض الملاذ الأخير وآلية إفلاس واضحة للدول والبلديات.

والنتيجة المنطقية للمعايير التي حددها كينين وأوبتسفيلد، بل وحتى معيار مونديل لحركة العمالة، هي أن الاتحادات النقدية لا تستطيع البقاء في غياب الشرعية السياسية، وهذا يتطلب على الأرجح إجراء انتخابات عامة على مستوى المنطقة بالكامل. ولا يستطيع زعماء أوروبا أن ينفذوا تحويلات ضخمة عبر الدول إلى أجل غير مسمى في غياب إطار سياسي أوروبي متماسك.

كثيراً ما يشكو صناع القرار السياسي في أوروبا اليوم من أن منطقة اليورو كانت لتصبح في خير حال، لولا الأزمة المالية في الولايات المتحدة. وربما كانوا محقين، ولكن أي نظام مالي لابد وأن يكون قادراً على تحمل الصدمات، بما في ذلك الصدمات الكبيرة.

إن أوروبا قد لا تكون منطقة عملة "مثالية" وفقاً لأي مقياس. ولكن من دون المزيد من التكامل السياسي والاقتصادي العميق ــ وهو ما قد لا ينتهي إلى ضم كل أعضاء منطقة اليورو الحاليين ــ فإن اليورو قد لا يتمكن من البقاء حتى إلى نهاية هذا العقد.

Featured