Thursday, October 30, 2014
5

فرصة لإحراز تقدم خارق في مجال الصحة العالمية

نيويورك ــ في كل عام يموت الملايين من البشر من أمراض يمكن الوقاية منها وعلاجها، وخاصة في البلدان الفقيرة. في كثير من الحالات، تُنتَج الأدوية المنقذة للحياة بتكاليف زهيدة، ولكنها تباع بأسعار تمنع من يحتاجون إليها من الوصول إليها. ويموت العديد من الناس ببساطة نتيجة لعدم وجود علاجات أو لقاحات، لأن أقل القليل من المواهب البحثية القيمة والموارد المحدودة تخصص لمعالجة أمراض الفقراء.

وتجسد هذه الحال فشلاً اقتصادياً وقانونياً يبرز الحاجة الماسة إلى التصحيح. والنبأ السار هو أن فرص التغيير متوفرة الآن، من خلال جهود دولية واعدة بقيادة منظمة الصحة العالمية، ومن شأنها أن تبدأ بإصلاح نظام الملكية الفكرية المعيب الذي يعوق تطوير وإتاحة الأدوية الرخيصة.

هناك مشكلتان رئيسيتان تحدان من توافر الأدوية اليوم. الأولى أنها مكلفة للغاية؛ أو بوسعنا أن نقول بشكل أكثر دقة إن أسعارها مرتفعة للغاية، رغم أن تكاليف إنتاجها ليست سوى جزء صغير من هذه الأسعار. والثانية أن تطوير الأدوية يوجه دوماً نحو تعظيم الأرباح، وليس تحقيق منفعة اجتماعية، الأمر الذي يؤدي إلى عرقلة الجهود الرامية إلى إنتاج الأدوية التي الضرورية لرفاهة الإنسان. ولأن الأموال التي يستطيع الفقراء إنفاقها قليلة للغاية، فإن شركات الأدوية في ظل الترتيبات الحالية ليس لديها من الحوافز القوية ما قد يدفعها إلى إجراء البحوث في الأمراض التي تبتلي الفقراء.

ولكن ليس بالضرورة أن تسير الأمور على هذا المنوال. تزعم شركات الأدوية أن الأسعار المرتفعة ضرورية لتمويل البحث والتطوير، ولكن في الولايات المتحدة الحكومة هي التي تتولى تمويل أغلب مشاريع البحث والتطوير المرتبطة بالصحة ــ سواء بشكل مباشر من خلال الدعم العام (المعاهد الوطنية للصحة، والمؤسسة الوطنية للعلوم)، أو بشكل غير مباشر من خلال المشتريات العامة للأدوية، في إطار برامج الرعاية الطبية والمعونات الطبية. وحتى الجزء الذي لا تموله الحكومة لا يشكل سوقاً تقليدية؛ ذلك أن أغلب مشتريات الأفراد من الأدوية الموصوفة يغطيها التأمين الصحي.

إن الحكومة تمول أبحاث الرعاية الصحية لأن الأدوية المحسنة تُعَد منفعة عامة. والمعرفة الناتجة عن هذه الأبحاث تعود بالفائدة على الجميع من خلال منع الأوبئة والحد من الخسائر الاقتصادية والبشرية المترتبة على انتشار الأمراض. وتتطلب الكفاءة تبادل البحوث على أوسع نطاق ممكن بمجرد توفرها. لقد شبه توماس جيفرسون المعرفة بالشموع: فعندما تُستَخدَم شمعة لإشعال أخرى، فإنها لا تطغى على نورها، بل إن كل شيء يصبح أكثر إشراقا.

ورغم هذا فإن أسعار الأدوية في أميركا وأغلب بلدان العالم لا تزال باهظة، وانتشار المعرفة محدود إلى حد كبير. وهذا لأننا أنشأنا نظاماً لبراءات الاختراع يمنح المبدعين حق الاحتكار المؤقت لابتكاراتهم، وهو ما يشجعهم على اكتناز معارفهم خشية أن يساعدوا أحد المنافسين.

وفي حين يوفر هذا النظام الحوافز اللازمة لإنتاج أنواع معينة من البحوث من خلال جعل الإبداع مربحا، فإنه يسمح لشركات الأدوية بدفع الأسعار إلى الارتفاع، ولا تتوافق الحوافز بالضرورة مع العائدات الاجتماعية. ففي قطاع الرعاية الصحية قد يكون تكريس الأبحاث لدواء "مشابه" أكثر ربحية من تطوير علاج قادر على إحداث فارق حقيقي. بل إن نظام براءات الاختراع قد يخلف تأثيرات سلبية على الإبداع، لأنه في حين تمثل الأفكار المسبقة الـمُدخَل الأكثر أهمية في أي بحث فإن نظام براءات الاختراع يشجع السرية والكتمان.

ومن بين الحلول المعقولة لمشكلة ارتفاع الأسعار وسوء توجيه الأبحاث أن نستعيض عن النموذج الحالي بصندوق جوائز مدعوم حكوميا. وبالاستعانة بنظام الجوائز يُكافأ المبدعون عن المعارف الجديدة، ولكنهم لا يحتفظون بحق الاحتكار لاستخدامها. وبهذه الطريقة فإن قوة الأسواق التنافسية يصبح بوسعها أن تضمن إتاحة أي دواء بمجرد تطويره بأقل سعر ممكن ــ وليس بسعر احتكار مبالغ فيه.

ومما يدعو إلى التفاؤل أن بعض المشرعين في الولايات المتحدة يبدون اهتماماً شديداً بهذا النهج. ويُعَد قانون صندوق الجوائز لمرض الايدز والفيروس المسبب له، وهو مشروع القانون المقدم من قِبَل نائب مجلس الشيوخ بريني ساندرز، مثالاً واضحاً للمبادرات من هذا القبيل. ويشمل مشروع القانون هذا أيضاً فقرة بالغة الأهمية تهدف إلى تشجيع البحوث ذات المصدر المفتوح، التي من شأنها تحريك النموذج البحثي الحالي بعيداً عن السرية ونحو المشاركة.

ولكن على المستوى العالمي، يحتاج نظام الإبداع قدراً أعظم من التغييرات. والواقع أن الجهود التي تبذلها منظمة الصحة العالمية ��تشجيع الإصلاحات الواسعة النطاق على المستوي الدولي تشكل أهمية حاسمة. في ربيع هذا العام نشرت منظمة الصحة العالمية تقريراً يوصي بحلول أشبه بتلك التي اقترحها مشروع قانون مجلس الشيوخ الأميركي، ولكن على مستوى عالمي.

والأمر المهم هنا هو أن التقرير الصادر بعنوان "البحث والتطوير لتلبية الاحتياجات الصحية في البلدان النامية" يوصي بتبني نهج شامل، بما في ذلك مساهمات التمويل الإلزامية من قِبَل الحكومات في مجال الأبحاث التي تتعامل مع الاحتياجات الصحية في الدول النامية؛ والتنسيق الدولي لأولويات الرعاية الصحية وتنفيذها؛ وإنشاء مرصد عالمي لرصد الاحتياجات وأماكن تركزها. وفي أواخر مايو/أيار، سوف تسنح الفرصة للمجتمع الدولي للبدء في تنفيذ هذه الأفكار في إطار اجتماع منظمة الصحة العالمية لمناقشة الصحة العالمية ــ وهي لحظة أمل للصحة العامة في مختلف أنحاء العالم.

إن إصلاح نظام الإبداع ليس مسألة اقتصاد فحسب، بل إنه في كثير من الحالات يشكل مسألة حياة أو موت. ولهذا فمن الأهمية بمكان أن يتم فك الارتباط بين البحث والتطوير وأسعار الأدوية، وتشجيع قدر أعظم من تبادل المعرفة العلمية.

إن مشروع قانون ساندرز يمثل بالنسبة لأمريكا تقدماً هائلا. وبالنسبة للعالم فإن توصيات منظمة الصحة العالمية تمثل فرصة لا تتكرر مرتين في جيل واحد لعلاج التفاوت الصارخ الذي طال أمده في مجال الرعاية الصحية، وعلى نطاق أكثر عموماً لوضع نموذج لإدارة المنافع العامة العالمية على النحو اللائق بعصر العولمة. ومن المؤكد أننا لا نملك ترف إهدار هذه الفرصة.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

Hide Comments Hide Comments Read Comments (5)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedDavid Joseph Deutch

    If only the Congress and the Senate had more members willing to do what is truly right for people, rather than bickering and blocking.

  2. CommentedMarianne Doczi

    I think this is a very pragmatic and achievable approach to incentivising R&D to create the necessary drugs. It also enables the benefits of open innovation to be applied, namely that experts from diverse disciplines will provide suggestions/solutions. It will also encourage more collaboration. It frees up experts from their institutional settings to set up syndicates to apply their knowledge.

  3. CommentedNatalia Ciausova

    I wonder whether the governments of developing countries are expected to contribute to the reseacrh of their countries' health needs? Or, as usual, they are expected to wait till others (so called "developed") come and solve their problems. It never worked before and it never will.
    The division into "developed" and "developing" is outdated and should be replaced with a "collective global responsibility".

  4. CommentedZsolt Hermann

    As any other aspect of the global crisis, like politics, economics, financial institutions or education, global health inequalities are also simply symptoms of the main disease: our inherent selfish, greedy nature.
    Trying to pick the problems one by one, attempting to solve them individually will only deepen the problem, as we can see for example how people try to solve the Eurozone crisis simply concentrating of finances, causing even deeper crisis with every move, because they refuse to explore the true underlying cause.
    Humanity's only chance of solving all of our interconnected crisis situations (since as an example to the health problems of the developing world we could add all the human induced health problems of the developed world resulting from our excessive, unhealthy lifestyle) is to adjust human nature and attitude, to change ourselves from 100% subjective, self calculating individuals to 100% mutually responsible, considerate global citizens.
    And while obviously we could wonder where we could take the motivation for such a fundamental change the deepening crisis, and real existential questions for the whole species can be forceful enough to at least raise questions about our present direction, and if we also take into consideration the numerous, objective, scientific publications describing our global, integral human network of the 21st century, and how we could turn our present crisis into a fruitful cooperation using our interconnections in a positive way, we have both negative and positive reasons to initiate the change.

Featured